المقريزي

188

إمتاع الأسماع

وقد تقدم في بعض طرق الإسراء ، أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغ سدرة المنتهى قيل له : اسأل ، فقال : إنك اتخذت إبراهيم خليلا ، إلى أن قال له ربه عز وجل : قد اتخذتك حبيبا ، ولذلك كسر الأصنام ، فإن الذي أعطاه الله تعالى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم من ذلك ، أفضل مما أعطاه إبراهيم عليه السلام ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم رمى هبل من [ أعلى ] الكعبة ، وأشار يوم فتح مكة إلى ثلاثمائة وستين صنما فوقعت وكسرت بأسرها بمحضر أهل نصرها ، وذلك بإشارته صلى الله عليه وسلم بقضيب ليس مما يكسر مثله عادة ، وكان كسر إبراهيم عليه السلام للأصنام بمعول يكسر مثله عادة . وكان كسره عليه السلام لتلك الأصنام التي كسرها بمعوله عند غيبة قومه عن أصنامهم ، ونبينا صلى الله عليه وسلم إنما كسرها وقريش الحماة الأبطال ، تراها وهي تتساقط على وجوهها ، وقد كانوا أمس يرونها آلهة تجلب لهم النفع وترد عنهم الضر ، فما انتطح في كسرها عنزان ، ولا نطق بنصرها ذو لسان . قال عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع [ عن ابن ] عمر رضي الله [ عنهما ] قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما قد ألزمها الشيطان بالرصاص والنحاس ، فكان كلما دنا منها مخصرته ، تهوى من غير أن يمسها ويقول : [ جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ] ( 1 ) فتساقط لوجوهها ، ثم أمر بهن فأخرجن إلى المسبل . وقد حجب الله تعالى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم عمن أرادوا قتله بخمسة حجب : ثلاثة منها في قوله تعالى : [ وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ] ( 2 ) ، وواحد في قوله تعالى : [ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ] ( 3 ) ، والخامس في قوله تعالى : [ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ] ( 4 ) ، ويتبين لك معنى كون هذه الحجب إذا نظرت في الهجرة النبوية ، ومكر الذين كفروا به صلى الله عليه وسلم وخروجه من منزله وهم قيام يريدونه فلم يروه .

--> ( 1 ) الإسراء : 81 . ( 2 ) يس : 9 . ( 3 ) الإسراء : 45 . ( 4 ) يس : 8 .